القرطبي
205
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
يعني بالخلقة الصورة ، وهو قول عطية ومقاتل . وقال الضحاك : أعطى كل شئ خلقه من المنفعة المنوطة به المطابقة له . يعني اليد للبطش ، والرجل للمشي ، واللسان للنطق ، والعين للنظر ، والاذن للسمع . وقيل : أعطى كل شئ ما ألهمه من علم أو صناعة . وقال الفراء : خلق الرجل للمرأة ولكل ذكر ما يوافقه من الإناث ثم هدى الذكر للأنثى . فالتقدير على هذا أعطى كل شئ مثل خلقه . قلت : وهذا معنى قول ابن عباس . والآية بعمومها تتناول جميع الأقوال . وروى زائدة عن الأعمش أنه قرأ " الذي أعطى كل شئ خلقه " بفتح اللام ، وهي قراءة ابن أبي إسحاق . ورواها نصير عن الكسائي وغيره ، أي أعطى بني آدم كل شئ خلقه مما يحتاجون إليه . فالقراءتان متفقتان في المعنى . قوله تعالى : قال فما بال القرون الأولى ( 51 ) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ( 52 ) فيه أربع مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( قال فما بال ) البال الحال ، أي وما حالها وما شأنها ، فأعلمه أن علمها عند الله تعالى ، أي إن هذا من علم الغيب الذي سألت عنه ، وهو مما استأثر الله تعالى به لا يعلمه إلا هو ، وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب ، وعلم أحوال القرون مكتوبة عند الله تعالى في اللوح المحفوظ . وقيل : المعنى فما بال القرون الأولى لم يقروا بذلك . أي فما بالهم ذهبوا وقد عبدوا غير ربك . وقيل : إنما سأله عن أعمال القرون الأولى فأعلمه أنها محصاة عند الله تعالى ، ومحفوظة عنده في كتاب . أي هي مكتوبة فسيجازيهم غدا بها وعليها . وعنى بالكتاب اللوح المحفوظ . وقيل : هو كتاب مع بعض الملائكة . الثانية - هذه الآية ونظائرها مما تقدم ويأتي تدل على تدوين العلوم وكتبها لئلا تنسى . فإن الحفظ قد تعتريه الآفات من الغلط والنسيان . وقد لا يحفظ الانسان ما يسمع فيقيده لئلا يذهب عنه . وروينا بالاسناد المتصل عن قتادة أنه قيل له : أنكتب ما نسمع